"سرابيط الخادم".. حكاية معبد حتحور في سيناء وقصة آثار خرجت من مصر خلال الاحتلال الإسرائيلي
في قلب جبال سيناء، وعلى ارتفاع يقارب 850 مترًا فوق سطح البحر، يقف موقع سرابيط الخادم شاهدًا على جانب مهم من تاريخ مصر القديم، حيث أقام المصريون القدماء معبدًا للإلهة حتحور، المعروفة بلقب «سيدة الفيروز»، في منطقة ارتبطت لقرون بعمليات استخراج الفيروز والنحاس.
ومع حلول ذكرى نصر أكتوبر، تستعيد سيناء تاريخًا حافلًا يمتد من عصور مصر القديمة إلى فترات الاحتلال، ومن بين أبرز فصوله قصة الآثار التي خرجت من موقع سرابيط الخادم خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء، وما نُسب إلى وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه ديان من دور في نقل بعض القطع الأثرية من الموقع.
ولم يكن اختيار المصريين القدماء لموقع سرابيط الخادم عشوائيًا، إذ كانت المنطقة من أبرز مواقع استخراج الفيروز والنحاس في سيناء، ما منحها أهمية اقتصادية ودينية في الوقت نفسه.
وارتبطت حتحور بالموقع باعتبارها إحدى المعبودات المرتبطة بالمناجم والمناطق التعدينية، كما عُرفت في الحضارة المصرية القديمة بارتباطها بالحب والجمال والموسيقى والفرح، وهو ما جعل معبدها في سرابيط الخادم جزءًا أساسيًا من منظومة التعدين المصرية القديمة.
وتنتشر في المنطقة نقوش وكتابات هيروغليفية توثق رحلات التعدين التي أرسلتها الدولة المصرية إلى سيناء، وتحمل أسماء ملوك وقادة بعثات وعمال شاركوا في عمليات استخراج المعادن.
كما يضم الموقع عددًا من المغارات والمناجم القديمة، بما يعكس طبيعة النشاط الذي شهدته المنطقة، حيث اجتمعت عمليات التعدين مع الطقوس الدينية والإدارة والعمل في بيئة جبلية شديدة الوعورة.
وتكشف آثار سرابيط الخادم عن حجم التنظيم الذي اتسمت به بعثات التعدين المصرية القديمة، إذ كانت البعثات الملكية تتوجه إلى المناطق الجبلية في سيناء لاستخراج الموارد المعدنية، بينما لعب المعبد دورًا دينيًا مرتبطًا بهذه الرحلات.
وتوثق النقوش الموجودة بالموقع جانبًا من تلك البعثات، بما يجعل سرابيط الخادم أكثر من مجرد معبد أثري منعزل، بل شاهدًا على قدرة المصري القديم على الوصول إلى المناطق النائية واستغلال مواردها وتنظيم عمليات التعدين فيها.
ولم تتوقف حكاية سرابيط الخادم عند العصر الفرعوني، إذ شهد الموقع فصلًا آخر خلال فترات الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، وارتبط اسمه بواقعة أثارت جدلًا بشأن نقل قطع أثرية من الموقع.
وبحسب روايات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها صحيفة «معاريف»، زار موشيه ديان الموقع خلال فترتي الاحتلال في عامي 1956 و1967، ونُسب إليه الإشراف على أعمال بحث وحفر عن الآثار في المنطقة ونقل عدد من القطع الأثرية.
ومن بين القطع التي ارتبط اسمها بهذه الواقعة عمود ذو رأس حتحوري، يحمل ملامح الإلهة حتحور التي ارتبط بها المعبد والمنطقة منذ آلاف السنين.
ووفقًا لما أوردته «معاريف»، نقل الصحفي عيدو ديسنتيك رواية عن والده آريي، الذي كان محررًا بالصحيفة، قال فيها إنه ضبط موشيه ديان أثناء قيامه بأعمال مرتبطة بالتنقيب عن الآثار في سيناء خلال خدمته بقوات الاحتياط.
وأضافت الرواية أن ديان كان يشرف على أعمال الحفر بحثًا عن القطع الأثرية، وأن بعض المكتشفات كانت توضع في أكياس تمهيدًا لنقلها، فيما أشارت الصحيفة إلى نقل آثار من سرابيط الخادم خلال الاحتلال الإسرائيلي الأول لسيناء عام 1956 إلى قسم الآثار في القدس.
كما ذكرت الرواية أن ديان كان يستخدم طائرة مروحية للوصول إلى المواقع الأثرية في جنوب غرب سيناء، التي تقع على مسافة تقارب 80 كيلومترًا من مدينة أبو زنيمة.
وعادت إحدى القطع المرتبطة بهذه الواقعة إلى مصر لاحقًا، لتبقى قصة سرابيط الخادم واحدة من الفصول التي تعكس ما تعرضت له المواقع الأثرية في سيناء خلال فترات الاحتلال.
ويظل الموقع اليوم شاهدًا على امتداد الحضارة المصرية في سيناء، وعلى أهمية المنطقة ليس فقط باعتبارها أرضًا ارتبطت بالتاريخ العسكري الحديث، وإنما أيضًا باعتبارها جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر الحضاري، بما تضمه من معابد ومناجم ونقوش توثق حضور المصريين القدماء في قلب شبه الجزيرة.





